إجراءات التصالح في المخالفات البيئية بمصر

إجراءات التصالح في المخالفات البيئية

إجراءات التصالح في المخالفات البيئية: دليلك القانوني لتسوية جرائم قانون البيئة المصري وتأمين منشأتك

في ظل التوجه الصارم للدولة المصرية نحو تحقيق الاستدامة وحماية البيئة، كثّفت وزارة البيئة وجهاز شئون البيئة (EEAA) من حملات التفتيش المفاجئة على المنشآت الصناعية، والتجارية، والمشروعات الاستثمارية. وقد يجد صاحب العمل أو المستثمر نفسه فجأة أمام “محضر مخالفة بيئية” قد يتطور إلى دعوى جنائية تهدد استقرار نشاطه وتُعرضه لغرامات مالية طائلة أو حتى عقوبات سالبة للحرية.

ولكن، لحسن الحظ، راعى المُشرع المصري طبيعة العمل الاقتصادي، وفتح باباً قانونياً آمناً لتدارك هذه الأخطاء من خلال نظام “التصالح في الجرائم البيئية”.

إذا تم تحرير محضر مخالفة بيئية لمنشأتك، فإن فهمك الدقيق للجرائم التي يجوز التصالح فيها، والشروط والإجراءات التي أقرها قانون البيئة وتعديلاته، هو خطوتك الأولى لإنهاء النزاع الجنائي بأقل الخسائر.

الأساس القانوني.. ما هو التصالح في الجرائم البيئية؟

يستند التصالح في المخالفات البيئية إلى نقطة التقاء قانونية بين قانون البيئة رقم 4 لسنة 1994 (وتعديلاته بالقانون 9 لسنة 2009 والقانون 105 لسنة 2015) وبين قانون الإجراءات الجنائية المصري.

تحديداً، وفقاً لنص المادة (18 مكرراً) من قانون الإجراءات الجنائية، يجوز للمتهم (أو من يمثله قانوناً) التصالح في المخالفات والجنح التي لا يُعاقب عليها وجوباً بغير الغرامة، أو التي يُعاقب عليها جوازياً بالحبس الذي لا يزيد حده الأقصى على ستة أشهر.

هذا يعني أن التصالح ليس “تهرباً من العقوبة”، بل هو حق قانوني أصيل يهدف إلى تسوية النزاع الجنائي سريعاً، وتوفيق أوضاع المنشأة بيئياً، وتوريد حق الدولة المالي دون إثقال كاهل المحاكم بالقضايا.

الجرائم المنصوص عليها في قانون البيئة ومدى إمكانية التصالح فيها

من الأخطاء القانونية الشائعة الاعتقاد بأن جميع المخالفات البيئية تقبل التصالح. لقد وضع المُشرع خطاً فاصلاً بين “المخالفات الإدارية أو البسيطة” القابلة للتسوية، وبين “الجرائم الجسيمة” التي تمس الصحة العامة ولا يجوز فيها التصالح.

1. جرائم بيئية (يجوز) التصالح فيها:

هي المخالفات والجنح التي تندرج تحت شروط المادة (18 مكرراً)، وتتعلق غالباً بالقصور الإداري أو التجاوزات التي يمكن تداركها وإزالة أسبابها، ومن أشهرها في القطاع الصناعي والتجاري:

  • عدم الاحتفاظ بالسجل البيئي: (سجل يوضح تأثير نشاط المنشأة على البيئة)، وهي المخالفة الأكثر شيوعاً بين المصانع والشركات.
  • عدم الاحتفاظ بسجل المواد والمخلفات الخطرة: في حال كانت المنشأة تتعامل مع مواد خطرة ولم تقم بتدوينها بالسجلات المعتمدة.
  • تجاوز الحدود القصوى لمستويات الضوضاء أو الانبعاثات: بشرط أن يكون التجاوز في الحدود التي نص القانون على الاكتفاء فيها بالغرامة المالية.
  • مخالفات حرق المخلفات الزراعية أو الصلبة (في بعض الحالات المنصوص عليها).

2. جرائم بيئية (لا يجوز) التصالح فيها:

هي الجرائم الجسيمة التي تمثل خطراً داهماً، وعقوبتها الوجوبية تتجاوز الحبس لستة أشهر أو تقترن بعقوبات مشددة، مثل:

  • تداول أو استيراد النفايات الخطرة دون ترخيص.
  • التخلص غير الآمن من المخلفات الطبية الخطرة في الأماكن غير المخصصة لها.
  • تصريف مياه الصرف الصناعي غير المعالج مباشرة في نهر النيل أو المجاري المائية العذبة.
  • صيد أو إتلاف الكائنات والمحميات الطبيعية بشكل متعمد ومدمر للبيئة (في الحالات المشددة).

الشروط القانونية لقبول طلب التصالح البيئي

لكي يقبل جهاز شئون البيئة (EEAA) والنيابة العامة طلب التصالح، حددت وزارة البيئة حزمة من الشروط الإجرائية الصارمة التي يجب توافرها:

  1. الصفة القانونية: أن يكون مقدم الطلب له صفة في إتمام الإجراءات (المخالف نفسه بشخصه، أو الممثل القانوني للشركة، أو محامٍ بموجب توكيل رسمي يبيح التصالح).
  2. الأهلية القانونية: أن يكون الشخص المخالف كامل الأهلية.
  3. صلاحية المستندات: أن يحمل مقدم الطلب بطاقة رقم قومي سارية المفعول.
  4. استخدام النموذج الرسمي: أن يُقدم طلب التصالح على “النموذج الرسمي” المعد من قبل وزارة البيئة، والموجه إلى السيد/ رئيس جهاز شئون البيئة، موضحاً فيه (اسم الشركة، رقم المحضر، وسنة التحرير).
  5. شهادة من واقع الجدول: في حال تم تحريك الدعوى الجنائية وإحالة المحضر إلى المحكمة، يُشترط تقديم “شهادة حديثة من واقع جدول المحكمة” توضح حالة القضية ورقمها وموعد الجلسة إن وُجد.
  6. إثبات التصالح بمحضر رسمي: يجب أن يتم إثبات عرض التصالح وقبوله في محضر رسمي أمام محرر المخالفة أو النيابة العامة.

التكلفة المالية.. كم تدفع للتصالح في مخالفة بيئية؟

التصالح ليس مجانياً، بل يتطلب سداد جزء من الغرامة كتعويض للدولة. وتختلف القيمة المالية المطلوب سدادها بناءً على “توقيت” طلب التصالح ومرحلة سير الدعوى الجنائية:

  • المرحلة الأولى (قبل تحريك الدعوى الجنائية): إذا سارعت الشركة بطلب التصالح فور تحرير المحضر وقبل إرساله للمحكمة، يلتزم المخالف بدفع مبلغ يعادل (ثلث الحد الأقصى للغرامة المقررة للجريمة).
  • المرحلة الثانية (بعد رفع الدعوى الجنائية وقبل صدور حكم نهائي): إذا تراخت الشركة وتم تحديد جلسة محاكمة، لا يسقط حقها في التصالح، ولكن ترتفع التكلفة؛ حيث يلتزم المخالف بدفع (ثلثي الحد الأقصى للغرامة المقررة للجريمة)، أو قيمة الحد الأدنى المقرر لها (أيهما أكثر).

(ملاحظة: يتم سداد هذه المبالغ في خزانة المحكمة المختصة، أو النيابة العامة، أو الجهة الإدارية المرخص لها بذلك، بموجب إيصال رسمي يرفق بملف التصالح).

الخطوات العملية لإجراء التصالح (من المحضر إلى الانقضاء)

بناءً على الإجراءات المعتمدة لدى وزارة البيئة، تسير عملية التصالح وفق الخطوات التالية:

  1. تقديم الطلب واستيفاء النموذج: يتم تحميل وتعبئة “نموذج طلب تصالح في المخالفات البيئية” من الموقع الرسمي لوزارة البيئة، وتقديمه إلى الإدارة المختصة بجهاز شئون البيئة أو الفرع الإقليمي التابع له المنشأة.
  2. فحص الطلب قانونياً وفنياً: تقوم الإدارة القانونية بجهاز شئون البيئة ببحث الطلب، والتأكد من أن الجريمة من الجرائم التي يجوز فيها التصالح وفقاً لتصنيف المواد بقانون البيئة.
  3. توفيق الأوضاع (خطة الإصحاح البيئي): في كثير من الأحيان، لا تكتفي الوزارة بدفع الغرامة، بل تلزم المنشأة بتقديم “خطة إصحاح بيئي” (Environmental Compliance Plan) تتعهد فيها الشركة بإزالة أسباب المخالفة وتوفيق أوضاعها لتجنب تكرار التلوث.
  4. سداد مبلغ التصالح: بعد الموافقة المبدئية، يتم توجيه المخالف لسداد النسبة القانونية من الغرامة (الثلث أو الثلثين) حسب مرحلة الدعوى.
  5. صدور قرار الانقضاء: يتم تقديم إيصال السداد وموافقة جهاز شئون البيئة إلى النيابة العامة أو المحكمة المختصة. وبناءً عليه، تأمر النيابة بحفظ الأوراق، أو تقضي المحكمة بـ “انقضاء الدعوى الجنائية بالتصالح”.

الأثر القانوني للتصالح.. هل يحمي من التعويضات؟

من النقاط القانونية الدقيقة التي يجب أن تعيها الشركات هي “نطاق أثر التصالح”. إن سداد مبلغ التصالح وانقضاء الدعوى الجنائية يسقط عن صاحب العمل أو مدير الشركة الشق الجنائي (أي يلغي احتمالية الحبس ويلغي الغرامة الجنائية الكاملة). ولكن، هذا التصالح لا يؤثر على الشق المدني؛ بمعنى أنه إذا تسببت المخالفة البيئية في أضرار مادية للغير (مثل إتلاف زراعات مجاورة بسبب انبعاثات المصنع)، يحق للمتضرر رفع دعوى تعويض مدنية ضد الشركة، ولا يمكن للشركة الاحتجاج بأنها تصالحت مع وزارة البيئة لإسقاط حق الغير في التعويض.

لماذا تحتاج إلى مستشار قانوني متخصص لملف التصالح البيئي؟

قد يبدو مسار التصالح إدارياً، لكنه في الواقع مليء بالألغام القانونية. التقاعس أو الخطأ في الإجراءات قد يحول المخالفة البسيطة إلى حكم قضائي واجب النفاذ. هنا يبرز دورنا في مؤسسة كريم عوض للمحاماة والاستشارات القانونية:

  1. التقييم القانوني السريع: فور تحرير المحضر، نقوم بتقييم نوع المخالفة وتحديد ما إذا كانت خاضعة لنظام التصالح أم تتطلب دفاعاً موضوعياً أمام القضاء.
  2. صياغة خطة الإصحاح البيئي: نتولى التنسيق مع الاستشاريين البيئيين المعتمدين لصياغة خطة توفيق الأوضاع وتقديمها لجهاز شئون البيئة، مما يسرع من قبول طلب التصالح.
  3. التمثيل القانوني الكامل: نيابة عنك، ندير الدورة المستندية بالكامل بدءاً من تقديم طلب التصالح بمقر الوزارة، مروراً بسداد الرسوم، وصولاً إلى استصدار حكم المحكمة بانقضاء الدعوى الجنائية، لضمان صحيفة جنائية نظيفة لمديري الشركة.
  4. الوقاية المستقبلية: نراجع السجل البيئي لشركتك وآليات التخلص من المخلفات لضمان عدم تكرار المخالفات وتحصين المنشأة ضد التفتيش المستقبلي.

إن التهاون في التعامل مع محاضر شئون البيئة يمثل تهديداً مباشراً للكيانات الاقتصادية. نظام التصالح هو بمثابة طوق نجاة وفرته الدولة لتشجيع الاستثمار المتوافق مع البيئة. ولكن، التقاط هذا الطوق يتطلب تحركاً سريعاً، وفهماً دقيقاً لنسب الغرامات، والتزاماً بتوفيق الأوضاع. الاستعانة بمكتب محاماة يمتلك الخبرة في القوانين البيئية والجنائية هو ضمانتك الوحيدة لعبور هذه الأزمة بأمان واستئناف نشاطك دون معوقات.

في مؤسسة كريم عوض للمحاماة والاستشارات القانونية، نمتلك الخبرة والأدوات اللازمة لإنهاء النزاعات البيئية بسرعة واحترافية. بادر بالتواصل معنا الآن لترتيب جلسة استشارية عاجلة لبحث موقف منشأتك والبدء في إجراءات التصالح القانونية فوراً.

Scroll to Top